الاثنين، مارس 9، 2026

دراسة حديثة نشرت في علوم قدّمت هذه الدراسة رؤى رائدة حول كيفية تفاقم اضطرابات الغابات في جميع أنحاء أوروبا نتيجة لتغير المناخ. ويُعدّ هذا البحث، الذي قاده مارك غرونيغ، وفيرنر رامر، وكورنيليوس سينف من جامعة ميونخ التقنية، الأول من نوعه الذي يُحاكي هذه التأثيرات بدقة عالية. وتستخدم الدراسة دقةً تصل إلى هكتار واحد للتنبؤ بكيفية تأثير حرائق الغابات والعواصف وخنافس اللحاء على الغابات خلال العقود القليلة القادمة.
الدراسة بعنوان سيؤدي تغير المناخ إلى زيادة اضطرابات الغابات في أوروبا طوال القرن الحادي والعشرينتشير الدراسات إلى أن هذه الاضطرابات ستتضاعف أكثر من مرتين بحلول عام 2100. وقد وجد الباحثون أنه حتى في ظل السيناريو الأكثر تفاؤلاً - حيث يقتصر الاحتباس الحراري على درجتين مئويتين - فإن الضرر سيتجاوز المستويات الحالية. وإذا ارتفعت درجات الحرارة بمقدار أربع درجات، وهو أمرٌ يزداد ترجيحاً، فسيكون الضرر الذي يلحق بالغابات الأوروبية أسوأ بكثير، حيث ستتضاعف مساحات الغابات المتضررة أكثر من مرتين.
إن التكلفة الاقتصادية لهذا الضرر هائلة. فبحسب النموذج، قد تصل الخسائر في مخزون الأخشاب إلى 247 مليار يورو نتيجةً للظروف الجوية القاسية والعواصف وانتشار خنفساء اللحاء. ومن المتوقع أن تتحمل أوروبا الوسطى العبء الأكبر من هذا الدمار، حيث تواجه بعضٌ من أثمن مخزونات الأخشاب في القارة تهديداتٍ خطيرة. كما ستشهد المناطق الجنوبية والغربية من أوروبا تغيراتٍ جذرية، إلا أن شمال أوروبا هو الذي سيشهد بؤرًا متزايدة من الاضطرابات في العقود القادمة.
نهج قائم على البيانات للتنبؤ باضطرابات الغابات
استخدم الباحثون محاكاة متقدمة للغابات، معتمدين على 135 مليون نقطة بيانات من أكثر من 13,000 ألف موقع في أنحاء أوروبا. وقد تم تعزيز هذا النموذج ببيانات الأقمار الصناعية الممتدة لعقود، مما وفر مستويات دقة غير مسبوقة. وتتيح طريقة فريق البحث لصناع السياسات ومديري الغابات توقع هذه الاضطرابات وإدارتها على مستوى إقليمي دقيق.
أسواق الأخشاب المترابطة معرضة للخطر
سيكون لتأثيرات تدمير الغابات آثارٌ بعيدة المدى. تحذر الدراسة من أنه بالنظر إلى الطبيعة المترابطة لأسواق الأخشاب الأوروبية، فإن الأضرار المحلية التي تلحق بالغابات قد تنتشر بسرعة عبر الحدود. فعندما تُدمر غابات منطقة ما، غالبًا ما يؤثر ذلك على سلسلة التوريد بأكملها، من مناشر الأخشاب إلى مواقع البناء. ويمكن أن يؤدي هذا التأثير المتتالي إلى زيادة التكاليف وتعطيل الصناعات التي تعتمد على الأخشاب في البناء والأثاث والمنتجات الورقية.
الآثار المترتبة على النظم الإيكولوجية للغابات وخدماتها
لا تهدد الاضطرابات القيمة الاقتصادية للغابات فحسب، بل تقوض أيضًا الخدمات البيئية التي توفرها. فالغابات تخزن الكربون، وتدعم التنوع البيولوجي، وتنظم دورات المياه، وكلها أمور حيوية لرفاهية الإنسان. ومع ارتفاع مستويات الاضطرابات، تتضاءل قدرة الغابات على أداء هذه الوظائف. بالإضافة إلى ذلك، تُشير الدراسة إلى أن تغير أنماط الاضطرابات قد يُغير التركيب النوعي للغابات، مما يدفع الأنواع الأحادية المعرضة للخطر نحو الانقراض.
الفرص وسط التهديد
رغم أن الارتفاع المتوقع في الاضطرابات يُمثل تحديات كبيرة، إلا أن الدراسة تُحدد أيضاً فرصاً. إذ يُمكن أن تُتيح زيادة مستويات الاضطرابات فرصاً لتكوين هياكل غابات أكثر مرونة، لا سيما في المناطق التي تُزال فيها المزارع الأحادية. كما أن استبدال هذه الأنواع المُعرّضة للخطر بمجموعة متنوعة من الأشجار المُقاومة لتغير المناخ من شأنه أن يُعزز صحة الغابات الأوروبية على المدى الطويل ويضمن استمرارها في تقديم خدمات النظام البيئي القيّمة.
يدعو روبرت سيدل، أستاذ ديناميكيات النظم البيئية وإدارة الغابات في جامعة ميونخ التقنية، إلى تكييف سياسات الغابات لمواجهة هذه التهديدات الناشئة. ويؤكد على ضرورة دمج صانعي السياسات لأحدث الرؤى العلمية في استراتيجيات إدارة الغابات. ويقول سيدل: "يجب أن نكون مستعدين لأضرار جسيمة قد تلحق بالغابات في السنوات القادمة. يجب على قطاع الغابات معالجة كل من المخاطر والفرص التي تتيحها مستويات الاضطراب المتزايدة".
جهد أوروبي تعاوني
أُجري البحث في إطار مشروع "ريزونيت" الذي ينسقه الاتحاد الأوروبي ويقوده المعهد الأوروبي للغابات. وتهدف هذه المبادرة، المعروفة باسم "غابات مرنة من أجل المجتمع"، إلى تزويد الغابات الأوروبية بالأدوات والمعرفة اللازمة لتعزيز قدرتها على التكيف مع تغير المناخ. ويجمع المشروع بين العلماء وصناع السياسات ومديري الغابات لوضع استراتيجيات تساعد على تخفيف آثار الاضطرابات وبناء أنظمة بيئية غابية أكثر استدامة.
مع استمرار تغير المناخ في إعادة تشكيل غابات أوروبا، تؤكد نتائج هذه الدراسة الرائدة على ضرورة الإدارة الاستباقية للغابات وتكييف السياسات. ورغم ضخامة التحديات، تقدم الدراسة دعوة واضحة للحكومات والجهات المعنية في القطاع ومديري الغابات للعمل معًا لضمان مستقبل غابات أوروبا.
خاتمة
تواجه غابات أوروبا مستقبلاً غامضاً، إذ يُتوقع أن يُضاعف تغير المناخ اضطرابات الغابات بأكثر من الضعف بحلول نهاية هذا القرن. هذه الاضطرابات، الناجمة عن حرائق الغابات والعواصف وخنافس اللحاء، تُهدد بتدمير مخزون الأخشاب الذي يُقدر بمئات المليارات من اليورو. مع ذلك، تُتيح هذه الأزمة أيضاً فرصة لإعادة النظر في إدارة الغابات وإنشاء أنظمة بيئية أكثر مرونة. من خلال الجهود التعاونية وتبني الرؤى العلمية الجديدة، لا يزال بإمكان أوروبا حماية غاباتها والخدمات الحيوية التي تُقدمها للمجتمع.
اقرأ المزيد من الأخبار على الغابات
ابق على اطلاع، تابعنا على لينكد إن.
الرسوم (تاج): تغير المناخ, غابات أوروبا, اضطرابات الغابات, ادارة الغابة, سياسة الغابات, النجارة والتجهيز, صناعة النجارة
تعليقات: