الجمعة يناير 2، 2026

تواجه غابات أوروبا، التي كانت تُعتبر في السابق مصارف أساسية للكربون، صعوبة متزايدة في امتصاص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نتيجةً لتضافر عوامل عدة، منها حرائق الغابات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة. وقد كانت هذه التحديات محور قرار الاتحاد الأوروبي الأخير بتعديل هدفه الطموح لخفض الانبعاثات بحلول عام 2040. ويهدف هدف الاتحاد الأوروبي الجديد إلى خفض صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 90% عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2040، وهي خطوة تهدف إلى مساعدة أوروبا على الالتزام بتعهدها القانوني الملزم بالوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050.
مع ذلك، اقترن هذا الهدف بتدابير مرنة، إقرارًا بتزايد حالة عدم اليقين بشأن قدرة غابات أوروبا ومستنقعاتها ومراعيها على امتصاص وتخزين كميات كبيرة من الكربون. ويسمح الإطار المعدل بتخفيض هدف الانبعاثات لعام 2040 إذا اتضح أن هذه النظم البيئية لم تعد قادرة على التعويض عن الانبعاثات الصناعية.
أعربت حكومات في مختلف أنحاء أوروبا عن قلقها إزاء تراجع قدرة الغابات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون. وقد سلطت دول مثل السويد ولاتفيا وفرنسا الضوء على تأثير تغير المناخ، الذي زاد من وتيرة حرائق الغابات والجفاف، مما أدى إلى انخفاض نمو الغابات وارتفاع انبعاثات الكربون. وقد برزت هذه المشكلة بشكل خاص في فنلندا والسويد، حيث لطالما لعبت الغابات دورًا حاسمًا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون.
أعربت وزيرة البيئة السويدية، رومينا بورمختاري، عن دعمها للاتفاقية، واصفةً إياها بأنها "إنجاز إيجابي" لأنها تأخذ في الاعتبار الشكوك المحيطة بامتصاص الغابات لثاني أكسيد الكربون. وأضافت: "العلم واضح، فالتغير المناخي يُصعّب على الغابات أداء وظيفتها".
أظهرت الأبحاث العلمية أن تغير المناخ يؤثر بشكل مباشر على غابات أوروبا. فموجات الحر والجفاف تُجفف الأشجار، مما يُبطئ نموها ويجعلها أكثر عرضة للآفات وحرائق الغابات. في عام 2023، أتت حرائق الغابات على أكثر من مليون هكتار من أراضي الاتحاد الأوروبي، وهي أكبر مساحة سنوية مُسجلة. ووفقًا لوكالة البيئة الأوروبية، انخفضت كمية ثاني أكسيد الكربون التي امتصتها غابات أوروبا بنحو الثلث خلال العقد الماضي، ويعود ذلك أساسًا إلى هذه الظواهر المناخية المتطرفة وزيادة أنشطة قطع الأشجار.
في فنلندا، الوضع كارثي، إذ تُصدر الغابات كميات من الكربون تفوق ما تمتصّه منذ عام 2021، وفقًا لتقرير معهد الموارد الطبيعية الفنلندي. وبالمثل، شهدت السويد انخفاضًا في قدرة الغابات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون بأكثر من النصف خلال العقدين الماضيين. وقد أيّدت كلتا الدولتين، اللتين تعتمدان بشكل كبير على الصناعات الحرجية، هدف خفض الانبعاثات لعام 2040، لكنهما حذّرتا من احتمال عدم تحقيقهما هدف الاتحاد الأوروبي لعام 2030 فيما يتعلق بخفض الانبعاثات الناتجة عن الغابات.
لمعالجة هذه المخاوف، يتضمن اتفاق المناخ الأوروبي لعام 2040 تدابير مرنة متعددة. أحد الخيارات الرئيسية هو آلية كبح طارئة، تسمح للحكومات بتعديل هدف عام 2040 إذا لم تحقق النظم الإيكولوجية للغابات أهدافها في امتصاص ثاني أكسيد الكربون. كما يسمح إجراء آخر للدول بشراء أرصدة كربون أجنبية، تغطي ما يصل إلى 5% من خفض الانبعاثات المطلوب. يوفر هذا الخيار هامش أمان إضافي للصناعات التي تسعى جاهدة لتحقيق الهدف الجديد دون إرهاق جهودها المحلية.
جاء قرار إدراج خيارات المرونة هذه بعد مفاوضات بين وزراء الاتحاد الأوروبي، الذين تعرضوا لضغوط من قطاعات صناعية متنوعة، من السيارات إلى الدفاع. وقد أعربت هذه القطاعات عن مخاوفها من إمكانية تحميلها مسؤولية تعويض النقص في حال فشلت الغابات والأراضي الرطبة في الحد من الانبعاثات كما هو متوقع.
ينص الاتفاق النهائي على أنه في حال انخفاض أداء النظم البيئية الطبيعية، لن يُطلب من الصناعات الأخرى خفض الانبعاثات بوتيرة أسرع لتعويض هذا النقص. ويهدف هذا البند إلى تحقيق التوازن بين الأهداف البيئية والواقع الاقتصادي، لا سيما في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على موارد الغابات.
يُعدّ أحد التحديات الرئيسية في تحسين امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغابات هو الأهمية الاقتصادية لقطاع الغابات. ففي السويد وفنلندا، تغطي الغابات حوالي 70% من مساحة اليابسة، وتشكل المنتجات الخشبية نسبة كبيرة من الصادرات. كما يدعم قطاع الغابات حوالي 140 ألف وظيفة في السويد وحدها. ونتيجةً لذلك، فإن أي اقتراح لخفض عمليات قطع الأشجار، مثل توصية وكالة الغابات السويدية بخفض القطع بنسبة 10%، يواجه مقاومةً بسبب التداعيات الاقتصادية المحتملة.
اقترحت لجنة الأهداف البيئية السويدية أن إطالة فترة نمو الأشجار قد تُحسّن امتصاص ثاني أكسيد الكربون، إلا أن هذا النهج قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج المنتجات الخشبية بنسبة 5-6%، بقيمة تُقدّر بنحو 8 مليارات كرونة سويدية. وقد يُسفر هذا التأثير أيضاً عن فقدان آلاف الوظائف. وقد أثارت هذه المقترحات جدلاً واسعاً في كل من السويد وفنلندا، حيث لا تزال مسألة الموازنة بين الأهداف البيئية والاعتبارات الاقتصادية حساسة سياسياً.
تتضمن استراتيجية الاتحاد الأوروبي للمناخ توصيات من مركز الأبحاث المشترك التابع له، تشير إلى أن خفض كثافة قطع الأشجار وزيادة تنوعها قد يساهم في التخفيف من مخاطر تغير المناخ على الغابات. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية وتنازلات، لا سيما في دول مثل السويد وفنلندا، حيث تُعدّ الغابات جزءًا لا يتجزأ من اقتصادها.
مع استمرار تغير المناخ في الضغط على غابات أوروبا، تزداد الحاجة إلى إدارة مستدامة للغابات وسياسات مناخية أكثر إلحاحاً. يُمثل هدف الاتحاد الأوروبي المناخي لعام 2040 خطوة هامة إلى الأمام، لكن نجاحه سيعتمد على قدرة الدول الأعضاء على التكيف مع واقع النظم البيئية المتغيرة وإيجاد سبل لتحقيق أهداف امتصاص ثاني أكسيد الكربون دون المساس بمصالحها الاقتصادية.
في الختام، تواجه غابات أوروبا تحديات متزايدة في تحقيق أهداف امتصاص ثاني أكسيد الكربون، ويعود ذلك في معظمه إلى التأثيرات المشتركة لتغير المناخ وزيادة قطع الأشجار. وتعكس التعديلات الأخيرة على هدف الاتحاد الأوروبي لخفض الانبعاثات لعام 2040 إدراكًا بأن الغابات قد لا تؤدي الدور المحوري الذي كانت تؤديه سابقًا في الحد من انبعاثات الكربون. ورغم وجود تدابير مرنة لمواجهة هذه التحديات، فإن التداعيات السياسية والاقتصادية لخفض قطع الأشجار لا تزال معقدة. وللمضي قدمًا، لا بد من إيجاد توازن بين المسؤولية البيئية والأهمية الاقتصادية لقطاع الغابات، بما يضمن ازدهار كلا القطاعين في ظل تغير المناخ.
اقرأ المزيد من الأخبار على الغابات
احصل على مثل هذه التحديثات من خلال woodandpanel.us
الرسوم (تاج): تغير المناخ, امتصاص ثاني أكسيد الكربون, هدف الاتحاد الأوروبي لخفض الانبعاثات, غابات أوروبا, ادارة الغابة, تسجيل, حرائق الغابات, النجارة والتجهيز, صناعة النجارة
تعليقات: